حسن حنفي

165

من العقيدة إلى الثورة

الدعاة والقصاصين والرواة الهاء للناس عن مشاكلهم اليومية واغراقا في الاعجاب بسيد المرسلين . فيسر الحاكم الجالس وراءهم والمستفيد من مدح المداحين مرة لسيد المرسلين وخاتم النبيين ومرة لأمير المؤمنين ورئيس المجاهدين . ولا يعنى انكار هذه المعجزات القديمة الظنية انكار وقوع النبوة . فوقوع النبوة لا يثبت حتى بالمعجزات المتواترة بهذا المعنى القديم . ولا يعنى وجود قدرة مطلقة أنها تثبت اطلاقها وسلطانها بالوقوف أمام قدرات أخرى ، قدرة العقل وقدرة الطبيعة ، بل الأقرب أن تكون متفقة مع العقل والطبيعة . وما دام العقل أساس الوحي ، وأن بديهيات العقل ومسلماته هي ذاتها حقائق الوحي وتصوراته فلا يكون هناك أي دور للمعجزة . النبوة طريق لايصال الوحي ، والوحي هو العقل ، ولا حاجة إلى دليل لاثبات النبوة أو لصدق النبي الا اتفاق رسالته مع العقل . ليس الشك في هذه المعجزات القديمة غياب التحدي منها بل لوقوعها ومعارضتها للعقل والطبيعة ولجوهر الوحي في آخر مراحله . ان اثبات صدق المعجزة بصدق الرواية حتى ولو كانت متواترة هو اثبات صدق خارجي بصدق داخلي آخر ، وابتعاد عن الصدق الداخلي للنبوة مع مزيد من التضحية بأوليات العقل وقوانين الطبيعة وشعور الجماعة ، ورجوع بالوحي إلى الوراء ، إلى مراحله الأولى وكأن الانسانية لم ترتق ، وكأن وعيها لم يكتمل باستقلال العقل وحرية الإرادة . وما الفائدة من جعل النبي هرقلا ؟ لقد كان من الصحابة مثل عمر خاصة معجبا بجانبه الانساني ، بشخصه وبعدله وبمبادئه وبرعايته لمصالح الناس . وكان العقلاء معجبين برسالته وبشريعته دون ما حاجة إلى اجراء المعجزات . وهل حديث الحيوانات وشهادة الإبل بأن لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله شرف للتوحيد ؟ وأين البراهين على وجود الله والدلائل على صدق النبوة امكانا ووقوعا ، هل تفهمها الإبل ؟ ان هذا الجانب لا ضعف أجزاء علم أصول الدين مع أمور المعاد ولا يوازى الذات والصفات والافعال . صحيح أنها ضمن السمعيات دون العقليات ولكن يمكن نقل السمعيات خطوة نحو العقليات وجعلها كلها عقليات . وقد كانت في الطريق إلى ذلك لولا توقفها في المرحلة الأولى للحضارة الاسلامية في القرون السبعة الأولى .